حرية الاتصال السمعي البصري في تونس، اهتمام النواب وصمت الحكومة

13.06.2025

أ. د. عبد الكريم حيزاوي

أ. د. عبد الكريم حيزاوي

أ. د. عبد الكريم حيزاوي، أستاذ متميز بمعهد الصحافة وعلوم الأخبار / رئيس مركز تطوير الاعلام ومدير تحرير مرصد الصحافة

تقدّم مجموعة من نواب مجلس الشعب يوم 27 فيفري 2025 بمقترح قانون أساسي يتعلق بحرية الاتصال السمعي البصري وبتنظيم هيئة الاتصال السمعي البصري وضبط اختصاصاتها. وبعد الاطلاع على النص المقترح، نقدم في هذه الورقة بعض الأفكار والملاحظات من منطلق أكاديمي وعلى ضوء اهتمامي قبل سنة 2011 وبعدها بمسألة “تعديل وسائل الاعلام” التي كانت المادة الرئيسية التي درّستها بماجستير البحث بمعهد الصحافة وعلوم الأخبار منذ انطلاقه في 2004.

1- لمحة عن المنطلقات:

بعد سقوط نظام بن علي في 14 جانفي 2011، عاشت تونس فترة غير مسبوقة اعتبرها الكثيرون عرسا للحرية ومطلعا للديمقراطية بينما رأى آخرون أن ما سمي حرية هو في الواقع انعكاسا لانهيار الدولة ولانفلات الفضاء العام.

ولا نحتاج للتذكير مطوّلا أن النصوص القانونية التي اتخذت في شكل مراسيم حول الاعلام خلال الأشهر الأولى بعد الثورة وخاصة المرسومين 115 و116 المنظّمين لحريات التعبير والصحافة والاتصال السمعي البصري تم إعدادها من قبل حقوقيين ومنظمات مهنية وخبراء صلب الهيئة الوطنية المستقلة لإصلاح الاعلام والاتصال ودون مشاركة أي طرف حكومي. وهو ما يفسّر الروح التحررية لهذه النصوص التي تعتبر من أهم مكاسب الثورة رغم عديد المحاولات الرامية لتنقيحها أو لإلغائها. ومعلوم أن أرباب السلطة السياسية المنتخبة سرعان ما عادوا للإمساك بزمام الأمور والتفوا بطرق شتى على النصوص التي وضعت قبل اعتلائهم سدة الحكم بداية من جانفي 2012.

ولا شك ان التجربة الثرية والفريدة من نوعها منذ الاستقلال التي عاشتها تونس خلال عشرية الانتقال الديمقراطي 2011-2021 تستحق التقييم والتحليل والمساءلة بعيدا عن الشعارات الشعبوية التي شرّعت لإلغائها بداية من 25 جويلية 2021.

جدير بالتذكير أن الأطراف السياسية الحاكمة بعد 2011 سعت إلى وضع أسس منظومة إعلامية طموحة قوامها الحرية ومرجعيتها المعايير الدولية المعمول بها في الأنظمة الديمقراطية.

ورغم العراقيل، ترجمت هذه المنظومة في نصوص قانونية تمثلت تباعا في المرسومين 115 و116 ثم في دستور 2014 ثم في القانون الأساسي للحق في النفاذ إلى المعلومات لسنة 2016.

وما نشهده الآن منذ اعتماد دستور 2022 هو تفكيك لمنظومة 2011 دون إرساء منظومة بديلة، على الأقل بالنسبة لقطاع الاعلام، إذ بقي خارج الاهتمام الرئاسي الذي تركّز على السلط التنفيذية والتشريعية والقضائية.

عند انتخابه في أكتوبر 2019، لم يمارس رئيس الجمهورية حقه بل واجبه القانوني في تسمية رئيس جديد لهيئة الاتصال السمعي البصري المنتهية ولايته منذ ماي 2019.

منذ ذلك التاريخ، اتسمت “السياسة الإعلامية” إن صح التعبير باللامبالاة والاقتصار على تفكيك منظومة 2011-2016 بقرارات إدارية مخاتلة نذكر منها: تسمية المشرفين على مؤسستي الإذاعة والتلفزة دون طلب الرأي المطابق للهايكا، إحالة رئيس الهايكا على التقاعد دون تعويضه، إيقاف رواتب بقية أعضاء مجلس الهايكا، تعيين الكاتب العام في خطة أخرى وكذلك الشأن بالنسبة لرئيس هيئة النفاذ إلى المعلومة بالنيابة … مع انتزاع مهام الهايكا في مجال مراقبة التغطية الإعلامية للانتخابات.

2- قراءة سريعة في دروس تجربة المرسوم 116:

3- المشاريع السابقة:

قبل المبادرة التشريعية الأخيرة، سجلت مسألة مراجعة المرسوم 116 المنظم لحرية الاتصال السمعي البصري عديد المحاولات لكن دون جدوى:

4- ملاحظات مختصرة بخصوص مقترح القانون الذي تقدم به السادة النواب بتاريخ 27 فيفري الماضي:

ملاحظة عامة: المقترح يعتمد مشروعا تم إعداده في 2017 ثم تبنته مجموعة من النواب بعد قرار الحكومة سحبه كما أسلفنا. ورغم بعض اللمسات لتحيينه، فإن الوضع تغير جذريا بعد 2021 وبعد إلغاء هيئة الاتصال السمعي البصري من دستور 2022. والنواب أصحاب المبادرة التشريعية على وعي تام باختلاف بيئة منشإ النص المقترح مع الوضع الحالي، لذلك أكد من حضر منهم ندوة النقابة الوطنية للصحفيين المنعقدة يوم 27 ماي الماضي على قابلية المقترح لمراجعة شاملة.[2]

بخصوص الإضافات مقارنة بالمرسوم 116:

خاتمة وتوصيات ذات صلة بالمشروع المقترح:

ونورد فيما يلي بعض النماذج من التجارب المقارنة:

تشارك خمس جهات في تسمية أعضاء الهيئة، بما يضمن استقلاليتها.

– 5 أعضاء يسميهم الملك،

– عضوان يسميهما رئيس الحكومة،

– عضو يسميه رئيس مجلس النواب

– عضو يسميه رئيس مجلس المستشارين

والملاحظ من خلال استعراض هذه النماذج أنها مختلفة عن النموذج التونسي ويتعين علينا استحداث صيغة واقعية لتعيين أعضاء مجلس الهيئة التعديلية تكون نابعة من تجربتنا المراكمة منذ إحداث الهايكا في 2013.

ختاما لا بد من تثمين المبادرة التشريعية التي تقدم بها مجموعة من النواب الحريصين على إنقاذ المشهد السمعي البصري من الأزمة الغير مسبوقة التي تعيشها كل مكوناته الإذاعية والتلفزية العمومية والتجارية والجمعياتية.

[1] المصدر: البث الفضائي العربي، التقرير السنوي لسنة 2023، اتحاد إذاعات الدول العربية، تونس.

[2] مداخلة النائب ثابت العابد

[3] L’ARCOM